عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

113

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

إلى دركة من دركاتها السبع وهي سبع صفات ؛ الكبر والحرص والحسد والشهوة والغضب والبخل والحقد ، فمن زكى نفسه عن هذه الصفات فقد عبر عن هذه الدركات السفلية ووصل إلى درجات الجنات العلوية كما قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) [ الشّمس : 9 ] ومن لم يزك نفسه عن هذه الصفات بقي في دركات جهنم خائبا خاسرا . كما قال تعالى : وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) [ الشّمس : 10 ] . ثم اعلم أن هذه الصفات من مقامات النفس يتولد منها صفات أخرى ، ومنشأ جميع الصفات النفسانية صفتان مركوزتان في جبلة كل حيوان ولا بد له منهما في التعيش وهما : الشهوة والغضب ، فبالشهوة يجذب المنافع إلى نفسه وبالغضب يدفع المضار عن نفسه فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه تولد منها الحرص وإذا استعمل الغضب في دفع مضرة عن نفسه تولد منه الحقد ، وإن رأى شيئا مما يحتاج إليه مع غيره ولم يدفعه إليه تولد منه الحسد ، وإن كان معه شيء طلبه منه محتاج إليه فيمنعه عنه تولد منه البخل . فإن كان معه ما يحتاج إليه جمع كثير فيتواضعون له ويتضرعون إليه في طلب مقاصدهم وهو ينظر إليهم بنظر الحقارة وإلى نفسه بنظر العزة يتولد منه الكبر والعجب . وإن كان لغيره ما يحتاج هو إليه ولم يدفعه إليه وهو قادر على أن يأخذ منه بالقوة ، وحمله الحرص على أخذه منه يتولد منه الظلم والتعدي وكذلك جميع الأخلاق الذميمة يتولد بعضها من بعض ما لم تنحسم مادتها وحسم مادتها بتزكية النفس على قانون الشريعة والطريقة عن صفاتها كما نبينه إن شاء اللّه وحده . الفصل الثاني في تزكية النفس عن صفاتها الذميمة قال اللّه تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) [ الشمس : 7 - 10 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لما خلق اللّه تعالى النفس قال : من أنت ومن أنا ؟ قالت : أنا أنا وأنت أنت . فأمر أن تعذب في النار ألف سنة ثم أخرجها وقال لها : من أنت ومن أنا . قالت أنا أنا وأنت أنت . فأمر أن تعذب بالنار ألف سنة أخرى . ثم أخرجها . فقال لها : من أنت ومن أنا قالت : أنا أنا وأنت أنت . فأمر أن تعذب بالنار ألف سنة أخرى ، ثم أخرجها فقال لها : من أنت ومن أنا ؟ قالت : أنا أنا وأنت أنت فأمر أن تحبس في النار ألف سنة أخرى وتضرب كل يوم بألف سوط من الجوع وألف سوط من العطش ، ثم أخرجت ، فقال لها : من أنت ومن أنا ؟ فقلت : أنا العبد الضعيف العاجز المسكين وأنت الإله